الخميس، 22 مارس 2012

المرونة الذهنية


عناصر التفكير الموضوعي
"المرونة الذهنية"
حياتنا الجديدة المعاصرة بإختلاف ابعادها وزواياها بحاجة إلى النظر إليها بمنظور جديد يتناسب مع هذا التطور المستمر الذي تواكبه لنتقدم معها خطوات نحو تفكير قويم...
نحتاج لمعايشة هذا التقدم وفق معطياتنا ومنهجنا وتراث فقهي وعلمي خلفه لنا المبدعين من علمائنا ومفكرينا العظماء المتقدمين منهم والمتأخرين
نحتاج فيه لعمق أفق وسعة مدارك ومرونة في التفكير بعيدا عن التحجر والجمود في التلقي تكيف مع المتغيرات دون تصادم مع الواقع بصناعة ظروف تتناسب مع ثوابتنا وقيمنا الراسخة
فالمرونة الذهنية تعني تغيير الطريقة في التفكير للبقاء على نفس الطريق وهي التكيف مع المتغيرات لتحقيق الصالح العام
كيف نكتسب هذه المرونة؟  مراقبة النفس- وتغيير الطريقة.
هل انا انسان متشدد- متحجر- وسطي- مرن؟ هذه المراقبة هي نقد للذات لتطويرها وتصحيح أفكارها
هل تفكيري منفتح وآفاقي واسعة؟
لأعرف ذلك يلزمني جهد لفحص ما في حوزتي من أفكار ومباديء وروىء ومسلمات ومقولات
وتغيير الطريقة لأن الافعال المختلفة هي التي تساعد على تغيير الطريق
من الجنون فعل نفس الأفعال وانتظار نتائج مختلفة
فالإنسان إن لم   يحب ما يعمل عليه أن يعمل ما يحب
كمثال لها الحياة الزوجية فهي حياة تكاملية ليس شرطا أن تكون شريكتي موافقة لي بكل الصفات فالاختلاف يساعد على التكامل والتكيف تحتاج للنظر في الجوانب الاخرى لقوله صلى الله عليه وسلم"لا يفرك مؤمن مؤمنة ان كره منها خلق رضي منها آخر"رواه مسلم فهي حياة قوامها التضحية والتنازلات التي تحقق للاسرة الامان لتربية ابناء مفكرين ناجحين في حياتهم.
فالمرونة الذهنية هي اساس كل خطوة للامام لأن التغيير من اهم الثوابت في هذه الحياة وهو سنة من سنن الكون قال تعالى:"ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"سورة الرعد11
فطبيعة الحياة المتغيرة والاحداث المتجددة والأشخاص المختلفة تحتم التصادم معها بشكل من الاشكال وهذا يستدعي المرونة والايجابية في التعامل والتعاطي معهم لتحصل المعايشة والتكيف مع الواقع بالتفكير السليم في بدائل تمكننا من فهمه
يلخص لنا المرونة في كلمات بسيطة المفكر والفقيه الشيخ عبدالله بن بيه"ان طموحنا ان نحول فهم الدين من مشكلة الى حل ومن دعوة الى حرب الى دعوة للتعايش وان نحول القيم من قيم تهاجم وقيم تقاوم الى قيم تتضامن وتتعاون"
فالمرونةاعمال العقل والنظر الى المسائل من زوايا جديدة,وهي الاحاطة بجذور المواضيع واسبابها وعواقبها وارتباطها بالمواضيع الاخرى وتوجد لدى الانسان مساحات من الحركة للموازنة بين الخير والشر وانواع الخير وانواع الشر والنفاذمن خلالها لتحقيق خير الخيرين ودفع الشر ,وهي سبيل الانسان الناجح الذي يسعى لرفعته وعزة امته, من همه صنع بصمة لنفسه بعيدا عن احادية الرأي والتفكير التي تؤدي الى خسارة الكثير من المعلومات والكثير من الاشخاص بسبب ضيق الأفق والاعتقاد بسلامة الفكر ورفض وجهات النظر المختلفة جمود يؤدي الى التخلف.
 يعلمنا سيدنا الخضر صور من الموازنة والمرونة العملية في سورة الكهف كيف نبقي على سفينة معيبة على هلاكها بالكلية باختيار اخف الضررين وقتل الغلام بدلا من شقاء والديه عند الكبرقال تعالى:
 "أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا,وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا " سورة الكهف79
هذه الصفة النبوية التي تميز بها الأنبياء لأنهم تعاملوا بعقلانية ومرونة تتجلى هذه المرونه في الحوار الذي دار بن سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام"ياهارون ما منعك اذ رأيتهم ضلوا الا تتبعن أفعصيت أمري" حينما صنع السامري عجلا لبني اسرائيل يعبدونه من دون الله فظل سيدنا هارون عليه السلام ناصحا ولم يلحق بموسى عليه السلام خوفا عليهم من الفرقة والانقسام فريق يفضل اللحاق بهم وفريق يبقى لعبادة العجل فكانت موازنة عقلانية اثبتت أن ترجيح خير الشرين خيرا مما شرا كله وهو ما يسمى في فقهنا المعاصر فتح الذرائع ومفاده إباحة الممنوع اذا ترتبت على اباحته مصلحة موازنة بين المصلحة والمفسدة ورجحان المصلحة او من باب الضرورات تبيح المحظورات واسقاط ما يمكن من مسائل على ظروفنا الزمانية والمكانية الحالية مثل واقع المرأة والاختلاف حول حجابها وخروجها للعمل ومساهمتها المختلفة في المجتمع والمرونة في التعاطي  مع الادلة والثوابت بتقديم المصلحة والبعد عن مواطن الشبهات,لتمارس حقها كعضو فاعل في المجتمع دون وصاية او مصادرة لفكرها ووعيها الخلاق
 ومستجدات الطب والتعامل مع الآخر وما اليها. لنصطلح مع أنفسنا ومع من حولنا ونحقق بذلك المرونة الذهنيةالتي تعنى بالتفكير وتصقله وتهذبه وتوظفه توظيفا تستقيم بها حياته وتقوى لها شخصيته فالمرونة ليست ضعفا ولا استسلام بل مسؤلية ذاتية لتحويل الكم المعرفي الى نشاط يمارس ويطبق في صبر وحكمة
في زمن سيدنا عمر رأى أن يحدد المهور فخَطَبَ  في الناسِ يوما وقَالَ: إنه لا ينبغي لأحدٍ أنْ يُمْهِرَ امرأةً بأكثرَ من 400 درهم (حيث كَانَ الرجالُ قد بدؤوا يُغالُون في المهور) وحينما نَزَلَ من على المنبر استوْقَفَتْهُ امرأةٌ وسألته: "أَلَمْ تَسْمَعْ قول الله عَزَّ وَجَلَّ "وآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا"؟ فارتقى عمر المنبر تارة أخرى وقَالَ: "كنْتُ قَدْ أَمَرْتُكُمْ ألا تَمهروا النساءَ بأكثرَ من 400 درهم فَمَنْ أَرادَ أنْ يَزيدَ فَلْيَفْعَلْ."
لم ينقص من هيبته أن ياخذ برأي امراءة وقال قولته الشهيرة اصابت إمراءة واخطأ عمر هذه المرونة في التنازل عن رأي خاطيء هي ما جعلته قائدا مميزا وكما قيل الاعتراف بالحق فضيلة. فالشورى نظام اسلامي يقوم على المرونة تعلمه الصحابة رضوان الله عليهم من النبي صلى الله عليه وسلم القائد والمفكر العظيم .
 سورة الشورى من أعظم سور القرآن التي تناولت المرونة الذهنية بالتفصيل قال تعالى:"وأمرهم شورى بينهم".الشورى 38


خاتمة:-
"لا تنكرن بما ليس معهودا عندك ولا في عصرك شيء من أمثاله,فتضيق حوصلتك عند ملتقط الممكنات...ابن خلدون

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق